وهبة الزحيلي

102

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يقل فؤاده لما رآه : لم أعرفك ، وصدّق فؤاده ما عاينه ، ولم يشك في ذلك ، ولم يقل : إنه جن أو شيطان . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى أي لقد رأى محمد صلى اللّه عليه وسلم جبريل نازلا مرة أخرى على صورته التي خلقه اللّه عليها ، وذلك ليلة الإسراء ، عند سدرة المنتهى التي هي في رأي الأكثرين وهو المشهور : شجرة في السماء السابعة ، وجاء في الصحيح أنها في السماء السادسة ، وإليها ينتهي علم الخلائق ، ولا يعلم أحد منهم ما وراءها ، وعندها الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين . والصحيح كما تقدم في سورة الإسراء : أن المعراج كان بالروح والجسد ، وليس بالروح فقط كما يرى بعضهم ، وإلا لما كان المعراج معجزة . فتكون رؤية النبي صلى اللّه عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية مرتين : مرة في الأرض ومرة في السماء ، وأما في غير هاتين المرتين ، فكان يراه في صورة إنسان ، لأن عليه أيسر وأهون وأكثر أنسا . وعلى هذا يكون ضمير رَآهُ ليس راجعا إلى اللّه تعالى ، بل إلى جبريل عليه السلام ، فالآية تنفي أن يكون صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه سبحانه مطلقا ، ويؤكده قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام 6 / 103 ] وقوله سبحانه : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [ الشورى 42 / 51 ] . وقال بعضهم : الضمائر في دَنا ، و فَتَدَلَّى و ( كان ) و ( أوحى ) وكذا في رَآهُ : للّه عز وجل ، ويشهد لهذا ما أخرجه البخاري عن أنس : « ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا اللّه ، حتى جاء سدرة المنتهى ، ودنا الجبار رب العزة ، فتدلى ، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة » . والراجح هو الرأي الأول بدليل ما أخرجه مسلم عن أبي ذر أنه