وهبة الزحيلي

101

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

صورته التي خلقه اللّه عليها ، حين أحب النبي صلى اللّه عليه وسلم رؤيته كذلك ، فظهر له في الأفق الأعلى أي في الجهة العليا من السماء ، وهو أفق الشمس ، فسدّ الأفق عندما جاء بالوحي إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم أول ما جاءه بالوحي . ونظير الآيات عن جبريل قوله تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ، وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ، وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [ التكوير 81 / 19 - 23 ] . ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى أي استوى واعتدل جبريل بالأفق الأعلى أولا ، ثم قرب من الأرض ، وازداد في القرب والنزول ، حتى نزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم فكان مقدار ما بين جبريل ومحمد صلى اللّه عليه وسلم من المسافة مقدار قوسين أو أقل من قوسين ، فأوحى جبريل إلى عبد اللّه ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم ما أوحاه من القرآن في تلك النزلة ، من شؤون الدين . وقيل : فأوحى اللّه إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم عبده ما أوحى ، وفيه تفخيم لشأن الوحي . وهذا كان ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الأرض ، لا ليلة الإسراء . ولهذا قال تعالى بعده : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى . روى ابن جرير عن عبد اللّه بن مسعود ، قال في هذه الآية : فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « رأيت جبريل له ست مائة جناح » . وقال عن رؤية جبريل حقيقة لا تخيلا : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ، أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى أي ما أنكر فؤاد النبي صلى اللّه عليه وسلم ما رآه من صورة جبريل ، وإنما كان فؤاده صادقا ، فتكون عينه أصدق ، فكيف تجادلونه وتكذبونه فيما رآه بعينه رؤية مشاهدة محسوسة من صورة جبريل عليه السلام ؟ ! والأشهر أن لام الْفُؤادُ للعهد ، وهو فؤاد