وهبة الزحيلي
26
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والمقصود بالآية الدلالة على كمال قدرة اللّه ، ونفوذ تصرفه في جميع مخلوقاته . تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ أي تقارب السماوات يتشققن من عظمة وجلال وهيبة من هو فوقها بالألوهية والقهر والقدرة ، وهذا هو الظاهر ، والأدق أن يقال : من الجهة الفوقانية التي هن فيها . ويحتمل أن المراد : يتفطرن لكثرة ما عليهن من الملائكة ، كما في حديث أحمد والترمذي : « أطّت السماء ، وحقّ لها أن تئط ، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد » . وقيل : إن المراد : كدن يتفطرن من قول المشركين : اتخذ اللّه ولدا ، كما في قوله تعالى : وَقالُوا : اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا « 1 » ، تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً [ مريم 19 / 88 - 91 ] . وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي والملائكة يداومون على تنزيه اللّه عما لا يليق به ولا يجوز عليه ، قارنين التسبيح بالتحميد وشكر النعم التي لا تحصى ، كقوله تعالى : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ، لا يَفْتُرُونَ [ الأنبياء 21 / 20 ] . وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ، أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أي ويطلبون المغفرة لعباد اللّه المؤمنين ، ثم أورد اللّه تعالى ما يكون طمعا في إيمان الكافر وتوبة الفاسق ، فذكر أنه سبحانه كثير المغفرة والرحمة ، وفيه إيماء إلى قبول استغفار الملائكة ، لضم الرحمة إلى المغفرة ، وإشارة إلى أن المغفرة المطلقة والرحمة المطلقة للّه تعالى . قال بعض العلماء : هيّب وعظّم جل وعز في الابتداء ، وألطف وبشّر في الانتهاء « 2 » .
--> ( 1 ) إدّا : أي منكرا فظيعا . ( 2 ) تفسير القرطبي : 16 / 5 .