وهبة الزحيلي

8

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

العريضة مقام ومأوى وسكنى لهؤلاء الكافرين . وفيه تنبيه على علة كذبهم وتكذيبهم ، وهو الكفر . والمراد : ألا يكفيهم العذاب في جهنم جزاء على أعمالهم ؟ وهو استفهام تقرير وإثبات ، لا نفي . ثم أتبع الوعيد السابق بوعد الصادقين المصدقين ، فقال : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ، أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ أي أما الذي جاء بالصدق والقول الحق وهو رسول اللّه ص وخاتم الأنبياء وإمام الرسل ، والذين صدقوا به وآمنوا بأنه رسول من عند اللّه وهم أتباعه المؤمنون ، وأيقنوا أن القرآن كلام اللّه تبيان كل شيء وخير وسعادة للبشرية جمعاء ، فأولئك هم الذين اتقوا اللّه ، وتجنبوا الشرك ، وتبرؤوا من الأصنام والأوثان . وثواب هؤلاء ما قال تعالى : لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ أي لهم ما يطلبون عند ربهم في الجنان ، من رفع الدرجات ، ودفع المضرّات ، وتكفير السيئات ، فضلا عن أن في الجنة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وذلك جزاء الذين أحسنوا في أعمالهم . والإحسان كما ثبت في الصحيح لدى الشيخين عن عمر عن رسول اللّه ص ، قال : « الإحسان : أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك » . وعلة هذا الجزاء : لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ، وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ وعدهم اللّه بما سبق ليكفر عنهم سئ ما عملوا ، ويجزيهم أجرهم كاملا بالمحاسن من أعمالهم ، ولا يجزيهم بالمساوئ . وإذا غفر لهم ما هو الأسوأ من أعمالهم ، غفر لهم ما دونه بطريق أولى . والحسن الذي يعملونه هو الأحسن عند اللّه تعالى .