وهبة الزحيلي
6
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
البلاغة : في الآيات المتقدمة من مطلع السورة إلى هنا يوجد فيها ما يسمى بمراعاة الفواصل ، الذي يزيد في روعة البيان القرآني ، ويؤثر في سمع التالي والمستمع . المفردات اللغوية : وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ أي لم ننزل على قوم حبيب النجار من بعد قتلهم له . مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ الجند : العسكر ، والمراد هنا الملائكة لإهلاكهم وللانتقام منهم . وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ ملائكة لإهلاك أحد ، لسبق قضائنا وقدرنا بأن إهلاكهم بالصيحة ، لا بإنزال الجند ، وهذا للدلالة على أن إنزال الجنود من عظائم الأمور ، وهو تحقير لشأنهم ، وتصغير لأمرهم ، فهم ليسوا أهلا لأن ننزل لإهلاكهم جندا من السماء ، بل أهلكناهم بصيحة واحدة . إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً أي ما كانت عقوبتهم إلا أن صاح بهم جبريل ، فأهلكهم . فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ساكتون هامدون ميتون لا يسمع لهم حسّ ، كالرماد الخامد ، فالخمود : انطفاء النار ، والمقصود به هنا الموت . يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ الحسرة : الغم على ما فات ، والندم عليه ، والعباد : هؤلاء ونحوهم ممن كذب الرسل ، فأهلكوا ، ونداء الحسرة مجاز ، أي هذا أوانك فاحضري . ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ هذا سبب الحسرة وهو الاستهزاء المؤدي إلى إهلاكهم . أَ لَمْ يَرَوْا ألم يعلموا أي أهل مكة القائلون للنبي : لست مرسلا ، والاستفهام للتقرير ، أي اعلموا . كَمْ خبرية بمعنى كثيرا ، والمعنى : إنا أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ كثيرا . مِنَ الْقُرُونِ الأمم : أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ أي ألم يروا كثرة إهلاكنا من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم بعد هلاكهم ، وضمير أَنَّهُمْ عائد للمهلكين ، وضمير إِلَيْهِمْ عائد للمكذبين ، أفلا يعتبرون بذلك ؟ ! وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ إِنْ : نافية بمعنى ما ، و لَمَّا بمعنى إلّا ، ويصح جعل « إن » مخففة من الثقيلة ، ولما : بالتخفيف ، واللام فارقة ، وما : مزيدة . جَمِيعٌ مجموعون في الموقف بعد بعثهم . لَدَيْنا عندنا مُحْضَرُونَ للحساب . المناسبة : هذه الآيات تتمة قصة أصحاب القرية ، أبان اللّه تعالى فيها حال المكذبين رسلهم ، وأوضح سنة اللّه في أمثالهم في العذاب الدنيوي ، ثم ما يتعرضون له من