وهبة الزحيلي

7

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

العذاب الأخروي . وذكرت هنا في بدء الجزء ، لأن عد الأجزاء مراعى فيه العدّ اللفظي لا الاتصال المعنوي . التفسير والبيان : وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ أي لم ننزل على قوم المؤمن حبيب النجار من بعد قتلهم له ، لدعوتهم إلى الإيمان باللّه ، جندا من الملائكة ، وما كنا بحاجة إلى هذا الإنزال ، بل كان الأمر أيسر علينا من ذلك ، وقد سبق قضاؤنا بأن إهلاكهم بالصيحة ، لا بإنزال الجند . وهذا لتحقير شأنهم ، فإن إنزال الملائكة لعظائم الأمور ، وهؤلاء لا يحتاجون لإهلاكهم جندا من السماء ، بل أهلكناهم بصيحة واحده ، كما قال تعالى : إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ، فَإِذا هُمْ خامِدُونَ أي ما كان إهلاكهم إلا بصيحة واحدة صاح بهم جبريل ، فأهلكهم ، فإذا هم أموات لا حراك بهم . وقوله : إِنْ كانَتْ أي الأخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة ، وقوله : واحِدَةً تأكيد لكون الأمر هينا عند اللّه ، وقوله : فَإِذا هُمْ خامِدُونَ فيه إشارة إلى سرعة الهلاك . يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ، ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي يا هؤلاء الذين كذبتم الرسل تحسروا حسرة أليمة ، واندموا على ما فعلتم ، بسبب أنه ما جاء رسول يدعو إلى التوحيد والحق والخير إلا استهزئ به وكذّب وجحد ما أرسل به من الحق . فقوله يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ أي هذا وقت الحسرة على مكذبي الرسل ، وتنكير حَسْرَةً للتكثير . وسبب التحسر عليهم : أنهم لم يعتبروا بأمثالهم من الأمم الخالية . ولا متحسر أصلا في الحقيقة ، إذ المقصود بيان أن ذلك وقت طلب الحسرة ، حيث ظهرت الندامة عند مواجهة العذاب ومعاينته . وقيل : إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل .