وهبة الزحيلي
268
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ ، لَهُمُ الْبُشْرى أي والذين أعرضوا عن عبادة الأصنام والشيطان ، وأقبلوا على عبادة اللّه معرضين عما سواه ، لهم البشارة العظمى بالثواب الجزيل ، وهو الجنة ، إما على ألسنة الرسل ، أو حين الموت أو عند البعث . وهي بشارة شاملة لمن نزلت الآية في حقهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والآية كقوله تعالى : لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ يونس 10 / 64 ] . والطاغوت « 1 » : يطلق على الواحد والجمع ، ويشمل عبادة الأوثان والشيطان ، لأن الشيطان هو الآمر بتلك العبادة والمزيّن لها ، فهو سبب الكفر والعصيان . فَبَشِّرْ عِبادِ ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أي بشر بالجنة أيها الرسول عبادي المؤمنين الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت ، والذين يستمعون القول الحق ، من كتاب اللّه وسنة رسوله ، فيفهمونه ، فيتبعون أحسن ما يؤمرون به ، فيعملون بما فيه ، كما قال تعالى لموسى عليه السلام : فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها [ الأعراف 7 / 145 ] . وهذا مدح لهم بأنهم نقّاد في الدين يميزون بين الحسن والأحسن ، والفاضل والأفضل . أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ أي هؤلاء المتصفون بهذه الصفة هم الذين وفقهم للصواب في الدنيا والآخرة ، وهم ذوو العقول الصحيحة والفطر المستقيمة .
--> ( 1 ) وقرئ : الطواغيت .