وهبة الزحيلي
269
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ثم بيّن تعالى أضداد المذكورين قائلا : أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ ، أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ أي أأنت مالك أمر الناس ، فمن وجب عليه العذاب لإعراضه وعناده ، فأنت تخلصه من النار ؟ والمعنى : إنك لا تقدر على هدايته ، فتنقذه من عذاب النار . والآية تسلية لرسول اللّه ص ، لأنه كان حريصا على إيمان قومه ، فأعلمه اللّه أن من كان من أهل الضلالة والهلاك ، لا تستطيع هدايته . ثم أعاد اللّه تعالى الإخبار عن جزاء المتقين السعداء للحض على التقوى ، فقال : لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ أي لكن أولئك الذين اتقوا عذاب ربهم بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ، لهم في الجنة غرف مبنية محكمة البناء ، وهي القصور الشاهقة ذات الطبقات المزخرفات العالية ، لأن الجنة درجات بعضها فوق بعض ، والنار دركات بعضها تحت بعض ، والجنة تجري فيها من تحت تلك الغرف أنهار عذبة الماء ، وفي ذلك كمال بهجتها وزيادة رونقها ، ثم أكد تعالى حسن هذا الجزاء ، فأخبر أنه وعد من اللّه وعده للمتقين المؤمنين ، ووعد اللّه حق ثابت ، لا ينقض ولا يخلف . فقه الحياة أو الأحكام : أرشدت الآيات إلى ما يأتي : 1 - أمر اللّه المؤمنين بأن يضموا إلى الإيمان التقوى : وهي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات ، مما يدل على أن الإيمان وحده لا يكفي ، كما يدل على أن الإيمان يبقى مع المعصية . 2 - للتقوى فوائد جلّى ، فللمتقين حسنة في الدنيا من صحة وعافية ونصر