وهبة الزحيلي

265

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الذين آمنوا باللّه ربا وبالإسلام دينا ، اتقوا عذاب ربكم باتباع أوامره واجتناب نواهيه ، والاستمرار على طاعته وتقواه . وعلة الأمر : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في الدنيا وهي الصحة والعافية والظفر والغنيمة والعزة والسلطان ، وفي الآخرة وهي الجنة والمثوبة الطيبة الجزيلة . وتنكير حَسَنَةٌ للتعظيم للدلالة على كمالها . ثم رغبهم في الهجرة للتمكن من التقوى والطاعة ، فقال : وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ أي إذا لم تتمكنوا من التقوى في بلد ، فهاجروا إلى حيث تمكن طاعة اللّه ، والعمل بما أمر به ، والترك لما نهى عنه ، وجاهدوا ، واعتزلوا الأوثان ومستنقعات الكفر ، أسوة بالأنبياء والصالحين ، كما قال تعالى : أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [ النساء 4 / 97 ] . ثم ذكر أجرهم على الهجرة والصبر على مفارقة الأوطان ، فقال : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ أي إنما يوفيهم اللّه أجرهم في الجنة في مقابلة صبرهم على الهجرة وترك الأوطان بغير حساب ، أي بغير كيل ولا وزن ، وبما لا يقدر على حصره وحسبانه حاصر وحاسب . وهذا دليل على أن مجرد الإيمان بالقلب أو إعلان الإسلام دون تقوى ولا عمل بأوامر اللّه واجتناب نواهيه لا يكفي إطلاقا . ثم ضم تعالى إلى الأمر بالتقوى الأمر بالإخلاص في العبادة والطاعة ، فقال : قُلْ : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أي إنما أمرت بإخلاص العبادة للّه وحده ، إخلاصا خاليا من الشرك والرياء وغير ذلك . وهذا وإن كان