وهبة الزحيلي

24

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وقوله إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا . . يفيد الحصر . وهذا فهم خطأ من المشركين ، لأن حكمة اللّه اقتضت تفاوت الناس في الرزق ، فهو يقبض الرزق عمن يشاء ، ويبسطه لمن يشاء ، وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [ الشورى 42 / 27 ] فقد أغنى قوما ، وأفقر آخرين ، وأمر الفقراء بالصبر ، وأمر الأغنياء بالعطاء والشكر : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى [ الليل 92 / 5 - 10 ] . وقال ابن جرير عن قوله تعالى : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ : ويحتمل أن يكون من قول اللّه عز وجل للكفار حين ناظروا المؤمنين ، وردوا عليهم ، فقال لهم : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قال ابن كثير : وفي هذا نظر ، واللّه أعلم . فقه الحياة أو الأحكام : دلت الآيات على أمور ثلاثة هي : أولا - إن المشركين قوم تمادوا في الغي والضلال والعناد والكبر ، ولم يتأملوا في أحداث الماضي ، ووقائع الزمان ، وأحوال الأمم التي أهلكهم اللّه بتكذيبهم رسلهم ، ولم ينظروا في مستقبل الحياة الآخرة ، فتراهم إذا قيل لهم : اتقوا اللّه ، لا يتقون . ثانيا - وهم أيضا شأنهم وديدنهم الإعراض عن آيات اللّه ، والتكذيب لها ، وعدم الانتفاع بها ، لتركهم النظر المؤدي إلى الإيمان باللّه وتصديق الرسول ص . ثالثا - كما أنهم أخلّوا بتعظيم الخالق ، حرموا العطف والشفقة على الإنسانية ، وانعدمت عندهم عاطفة الرحمة بالمخلوقات ، إذ قيل لهم : أنفقوا مما رزقكم اللّه ، فبخلوا وتهكموا ، وهو شأن البخلاء في كل عصر .