وهبة الزحيلي

23

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ أي وما تجيء هؤلاء المشركين آية من آيات اللّه على التوحيد وصدق الرسل إلا شأنهم الإعراض عنها ، وعدم الالتفات إليها ، وترك التأمل بها ، وعدم الانتفاع بها ، لتعطيل طاقة الفكر والنظر المرشد إلى الإيمان وتصديق الرسول ص . وفضلا عن سوء الاعتقاد باللّه ورسوله ص ، تركوا الشفقة على خلق اللّه ، كما قال تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ : أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ، قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا : أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ؟ أي وإذا طلب منهم الصدقة ، وأمروا بالإنفاق مما رزقهم اللّه على الفقراء والمحاويج ، أجابوا المؤمنين استهزاء بهم ، وتهكما بقولهم : هؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم : لو شاء اللّه لأغناهم ، ولأطعمهم من رزقه ، فنحن نوافق مشيئة اللّه تعالى فيهم . وكان هذا الاحتجاج باطلا ، لأن اللّه تعالى إذا ملّك عبدا مالا ، ثم أوجب عليه فيه حقا ، فكأنه انتزع ذلك القدر منه ، فلا معنى للاعتراض . وقد صدقوا في قولهم : لو شاء اللّه أطعمهم ، ولكن كذبوا في الاحتجاج بذلك . وقوله : مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ترغيب في الإنفاق ، فإن اللّه رزقكم ، فإذا أنفقتم فهو يخلف لكم الرزق ثانيا كما رزقكم أولا ، وهو أيضا ذم على البخل الذي هو في غاية القبح ، فإن أبخل البخلاء من يبخل بمال الغير ، وفي هذا ذم لهم على ترك الشفقة على خلق اللّه . ومع هذا كله ، عابوا الآمرين لهم بالإنفاق واتهموهم بالضلال ، فقالوا تتمة لكلامهم : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي ما أنتم في أمركم لنا بالإنفاق إلا في خطأ واضح ، وانحراف عن جادة الهدى والرشاد .