وهبة الزحيلي

202

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

قالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي قال سليمان : ربّ اغفر لي ما صدر عني من الذنب الذي ابتليتني لأجله ، وهذا من سمو الإحساس بالخطيئة ، فقد تكون شيئا لا يخلو عن ترك الأفضل والأولى ، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة ، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، ولأن الأنبياء أبدا في مقام هضم النفس ، وإظهار الذلة والخضوع ، كما قال ص فيما رواه البخاري عن أبي هريرة : « واللّه إني لأستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة » . وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ وامنحني ملكا عظيما لا يتأتى لأحد غيره مثله ، إنك يا ربّ أنت الكثير الهبات والعطايا ، فأجب دعائي . قال الزمخشري : كان سليمان عليه السلام ناشئا في بيت الملك والنبوة ، ووارثا لهما ، فأراد أن يطلب من ربّه معجزة ، فطلب بحسب إلفه ملكا زائدا على الممالك ، زيادة خارقة للعادة ، بالغة حدّ الإعجاز ، ليكون ذلك دليلا على نبوته ، قاهرا للمبعوث إليهم ، وأن يكون معجزة حتى يخرق العادات ، فذلك معنى قوله : لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي . وقيل : كان ملكا عظيما ، فخاف أن يعطى مثله أحد ، فلا يحافظ على حدود اللّه فيه « 1 » . فأجاب اللّه تعالى دعاءه وأعطاه نعما خمسة ، فقال : 1 - فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ أي فذلّلنا له الرّيح ، وجعلناها منقادة لأمره ، تجري ليّنة طائعة في قوّة وسرعة ، دون عواصف مضطربة ولا أعاصير ، تحمله إلى أي جهة قصد وأراد . ووصف الرّيح هنا بكونها رخاء لا يتعارض مع آية أخرى : وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ [ الأنبياء 21 / 81 ] لأن المراد بالعاصفة هنا القوية الشديدة ، لا الهائجة

--> ( 1 ) الكشاف : 3 / 15