وهبة الزحيلي
199
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ جعلناها منقادة لأمره رُخاءً لينة مع قوتها وشدتها ، فلا تزعزع ولا تعصف حَيْثُ أَصابَ قصد وأراد وَالشَّياطِينَ أي وسخرنا له الشياطين كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ أي يبنون له ما يشاء من المباني ، ويغوصون في البحر لاستخراج الدر واللؤلؤ منه وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ أي وآخرين منهم مشدودين في القيود والسلاسل ، وهم مردة الشياطين . هذا عَطاؤُنا أي هذا ما أعطيناك من الملك العظيم الذي طلبته ، من السيطرة على الريح والشياطين وتسخيرهم فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ فأعط من شئت ، وامنع من شئت بِغَيْرِ حِسابٍ لا حساب عليك في ذلك الإعطاء أو الإمساك ، فلا يقال لك : كم أعطيت ولم منعت ؟ لَزُلْفى قربة في الآخرة وَحُسْنَ مَآبٍ وحسن مرجع ، وهو الجنة . المناسبة : هذه هي القصة الثانية - قصة سليمان بن داود عليهما السلام ، فيها تعداد النعم التي أنعم اللّه بها على سليمان ، كما أنعم على أبيه داود من قبل ، ليشكر المحسن ، ويتعظ المسئ الذي يرى في قصتي داود وسليمان عظة وعبرة ، فإنهما ملكا ملكا عظيما ، لم يحجبهما عن شكر اللّه ، وعبادته وطاعته ، وتقدير نعمه الكثيرة ، فأين ملكهما من زعامة قريش وأمثالهم ؟ ! . التفسير والبيان : وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ ، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ أي وآتينا داود ابنا نبيا ، كما قال عز وجل : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [ النمل 27 / 16 ] وإلا فقد كان له بنون غيره ، وهذا الابن ما أحقّه بالمدح والثناء ، فهو نعم العبد ، لأنه توّاب رجّاع إلى اللّه ، كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى اللّه عز وجل في أكثر الأوقات . روى ابن أبي حاتم عن مكحول قال : لما وهب اللّه تعالى لداود سليمان قال له : يا بني ما أحسن ؟ قال : سكينة اللّه والإيمان ، قال : فما أقبح ؟ قال : كفر بعد إيمان ، قال : فما أحلى ؟ قال : روح اللّه بين عباده - أي رحمته - قال : فما