وهبة الزحيلي

200

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أبرد ؟ قال : عفو اللّه عن الناس ، وعفو الناس بعضهم عن بعض ، قال داود عليه السلام : فأنت نبي . ثم ذكر اللّه واقعتين لسليمان من وقائع توبته فقال : الواقعة الأولى : قصة عرض الخيل : إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ أي اذكر أيها الرسول مادحا حين عرض على سليمان عليه السلام في مملكته وسلطانه بعد العصر آخر النهار الخيول الصافنات ( أي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة ) والجياد : السراع في العدو ، لينظر إليها ويتعرف أحوالها ومدى صلاحيتها لمهامها ، وليستمتع بما أنعم اللّه عليه منها . فَقالَ : إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ، حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ أي قال سليمان : إنني أحببت هذه الخيل وآثرتها عن غيرها حبا حصل عن ذكر ربي وأمره ، لا بهواي وشغفي ، وكانت ذات أعداد كثيرة ، تعدو حتى غابت عني بسبب الغبار وبعد المسافة . وبه يتبين أن حبه لها لم يكن إلا امتثالا لأمر اللّه بربط الخيل للجهاد في سبيل اللّه ، وتقوية دينه ، وتثبيت دعائمه ، وقد كان ذلك مندوبا إليه في دينهم . هذا هو التفسير المتعين الذي يتفق مع مركز النبوة وشرف الرسالة ودلالة الحال في تعداد النعم لا النقم على سليمان ، فلا يصح التفسير بشيء يتنافى مع هذا ، لا سيما وقد أمر اللّه تعالى نبينا ص أن يتأسى بداود وسليمان ، كما في مطلع الآيات . و اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ، وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ . . . ثم أعاد سليمان عرض الصافنات أمامه قائلا : رُدُّوها عَلَيَّ ، فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ أي أعيدوا هذه الخيل