وهبة الزحيلي

198

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

عَنْ ذِكْرِ رَبِّي أي أحببت الخيل وحصل حبها عن ذكر ربي وأمره ، لا عن الشهوة والهوى . وليس المراد كما يذكر القصاصون : أنه آثر رؤية الخيل عن صلاة العصر حتى غابت الشمس تَوارَتْ بِالْحِجابِ اختفت وغابت الشمس ، واستترت بما يحجبها عن الأبصار . والحجاب : بالحاجز أو بالليل . رُدُّوها عَلَيَّ ردوا الخيل الصافنات علي استمتاعا بالنعمة ، أي كفاها ركضا وعدوا فَطَفِقَ مَسْحاً شرع يمسحها بيده استحسانا لها وإعجابا بها ، وليس المعنى : جعل يذبحها ويعقرها بالسيف لتفويت صلاة العصر عليه ، فهذا لا يليق بالنبوة . بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ أي بسيقانها وأعناقها ، فيربّت عليها ويدللها ويمسح نواصيها بيده ، لا أنه ذبحها وعرقب أرجلها تقربا إلى اللّه تعالى ، حيث اشتغل بها عن الصلاة ، وتصدق بلحمها ، فعوضه اللّه خيرا منها وأسرع ، وهي الريح تجري بأمره كيف شاء ، فهذا من الإسرائيليات الدخيلة . فَتَنَّا سُلَيْمانَ ابتليناه واختبرناه بمرض ، وقال البيضاوي : وأظهر ما قيل فيه : ما روي مرفوعا أنه قال : « لأطوفن الليلة على سبعين امرأة ، تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل اللّه ، ولم يقل : إن شاء اللّه ، فطاف عليهن ، فلم تحمل إلا امرأة جاءت بشق رجل ، فوالذي نفس محمد بيده ، لو قال : إن شاء اللّه لجاهدوا فرسانا » « 1 » . ومن الإسرائيليات في تفسير الابتلاء : أن اللّه ابتلاه بسلب ملكه ، وذلك لتزوجه بامرأة عشقها ، وكانت تعبد الصنم في دار من غير علمه ، وكان ملكه في خاتمه ، فنزعه مرة عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة ، على عادته ، فجاءها جنّي في صورة سليمان ، فأخذه منها . وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً أي جسما ضعيفا كأنه جسد بلا روح ، وقيل : الجسد : هو نصف الإنسان الذي ولدته امرأته ، وقيل : هو ذلك الجني ، وهو صخر أو غيره ، جلس على كرسي سليمان ، وعكفت عليه الطير وغيرها ، فخرج سليمان في غير هيئته ، فرآه على كرسيه ، وقال للناس : أنا سليمان ، فأنكروه . وهذان التفسيران المقولان غير صحيحين في الظاهر والثاني منهما من تتمة القصة الدخيلة من الإسرائيليات . ثُمَّ أَنابَ رجع تائبا إلى اللّه من ترك الأفضل وهو عدم تعليق الأمر بمشيئة اللّه ، وهذا عظيم على نبي ، لأن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين قالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي ما صدر عني من الذنب وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أي امنحني ملكا لا يكون لأحد من بعدي أن يملك مثله .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ، دون أن يذكر أنه تفسير للآية .