وهبة الزحيلي

14

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ، أَ فَلا يَشْكُرُونَ أي إن القصد من إنشاء الحب والجنات أن يأكل المخلوقون من ثمر المذكور من النخيل والأعناب ، ويأكلوا مما صنعته أيديهم من تلك الغراس والزروع أو الحبوب والثمار ، كالعصير والدبس ونحوهما ، وما ذاك كله إلا من رحمة اللّه تعالى بهم ، لا بقدرتهم وقوتهم ، فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى ؟ ! وهذا أمر بالشكر من طريق إنكار تركه . وقوله مِنْ ثَمَرِهِ عائد إلى ما ذكر قبل ذلك ، وقال الرازي : المشهور أنه عائد إلى اللّه . وقوله : وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ يشمل في رأي الرازي الزراعة والتجارة . ولما أمرهم تعالى بالشكر ، وشكر اللّه بالعبادة ، نبّه إلى أنهم لم يقتنعوا بالترك ، بل عبدوا غيره ، وأتوا بالشرك ، فقال : سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ، وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ أي تنزيها عن الشريك للّه الذي خلق الأنواع والأصناف كلها من مختلف الألوان والطعوم والأشكال ، من الزروع والثمار والنبات ، وخلق من النفوس الذكور والإناث ، وخلق مخلوقات شتى لا يعرفونها ، كما قال تعالى : وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ [ النحل 16 / 8 ] وقال عز وجل : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الذاريات 51 / 49 ] . والخلاصة : أن خالق هذا الخلق العظيم من إنسان وحيوان ونبات وخالق أشياء لا نعلمها منزه عن الشريك والنظير ، قادر على كل شيء ، وفي الآية الأمر بالتنزيه عما لا يليق باللّه تعالى ، كالأمر بالشكر في الآية المتقدمة . وبعد الاستدلال على إمكان البعث والحشر بأحوال الأرض المكانية ، ذكر تعالى أدلة أربعة من أحوال الأزمنة ، فقال :