وهبة الزحيلي
71
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
على أن الهبة لا تتم إلا بقبول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن قبل حلّت له ، وإن لم يقبلها لم يلزم ذلك ، كما إذا وهبت شيئا لرجل ، فلا يجب عليه القبول . وقوله تعالى : خالِصَةً لَكَ دليل على أن انعقاد النكاح بلفظ الهبة من خصوصيات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن الهبة لا تحلّ لأحد بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إن كانت هبة نكاح ، ولا يحلّ للمرأة أن تهب نفسها لأحد ، وهذا قول جمهور العلماء . وقال الحنفية والمالكية : ينعقد النكاح لغير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بلفظ الهبة ، ويكون للمرأة ما سمي من المهر في العقد ، ومهر المثل إن لم يسمّ شيء ، وللمفوضة طلب المهر قبل الدخول ، ومهر المثل بعد الدخول . ومنشأ الخلاف هو في معنى قوله تعالى : خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فذهب جماعة إلى أن الخصوصية في انعقاد النكاح بلفظ الهبة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لقوله تعالى : لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وقوله : إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها وقوله سبحانه : إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ . وهذا رأي الجمهور . وذهب آخرون إلى أن الخصوصية الواردة في الآية هي في نكاح الواهبة بغير مهر ، أما عقد النكاح بلفظ الهبة فكان جائزا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته على السواء ، أي إن الخصوصية في المعنى دون اللفظ ، لأن اللّه تعالى أضاف لفظ الهبة إلى المرأة بقوله : وَهَبَتْ وأضاف إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إرادة الاستنكاح ، فدلت المخالفة على أن المراد مدلول اللفظ الذي من جانب المرأة ، وهو ما يدل عليه لفظ الهبة من ترك العوض . 3 - ذكر ابن العربي والقرطبي « 1 » بمناسبة هذه الخصوصية ما خصّ اللّه تعالى به
--> ( 1 ) أحكام القرآن : 3 / 1549 - 1553 ، تفسير القرطبي : 14 / 211 - 213