وهبة الزحيلي

68

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ثم خاطب اللّه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأزواجه بطريق تغليب الذكور ، فقال : وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً أي إن اللّه عليم تام العلم بالميل إلى بعضهن دون بعض ، من غير اختيار ، ومما لا يمكن دفعه ، وكان اللّه وما يزال عليما بما تخفيه النفوس ، وتكتمه السرائر ، حليما يحلم ويغفر ، فلا يعاجل المذنبين بالعقوبة ، ليتمكنوا من التوبة والإنابة . وفي هذا حثّ على حسن النوايا ، وسلامة الطوية ، وتحسين معاملة النساء للتغلب على أثر الغيرة . روى الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقسم بين نسائه ، فيعدل ، ثم يقول : « اللهم هذا فعلي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » زاد أبو داود : يعني القلب . ثم ذكر اللّه تعالى مجازاة نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اللاتي اخترن اللّه ورسوله ، فمنع طلاقهن ، وحرّم غيرهن عليه ، فقال : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أي يحرم عليك أيها الرسول الزواج بغير هؤلاء النساء التسع اللاتي عندك الآن ، جزاء لاختيارهن اللّه ورسوله ، أخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس قال : « لما خيّرهنّ ، فاخترن اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، قصره سبحانه عليهن » . وهذا هو الحكم الأول : تحريم بقية النساء عليه . وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ ، وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ، إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وهذا هو الحكم الثاني : منع استبدالهن وتحريم طلاقهن ، أي ولا يحلّ لك أيها الرسول أن تتزوج غير اللاتي في عصمتك ، وأن تستبدل بهن غيرهن ، بأن تطلق واحدة منهن وتتزوج بدلها أخرى ، وإن أعجبك حسنها ، إلا ما ملكت يمينك من الإماء ، مثل مارية القبطية التي أهداها المقوقس له ، فتسرّى بها ، وولدت له إبراهيم ومات رضيعا .