وهبة الزحيلي

67

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ما لا يمكن التحرز عنه ، رحيما بك وبهم بدفع الحرج والعنت ( المشقة ) ، وعدم العقاب على ذنب تابوا عنه . وفي الجملة : إن قوله : وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً آنس به تعالى جميع المؤمنين بغفرانه ورحمته . ثم أجاب اللّه تعالى عن غيرة بعض نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مثل عائشة من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعن تفويضهن أمر القسم للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ ، وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ أي لك يا رسول اللّه الحرية المطلقة في القسم بين زوجاتك ، فلك أن تؤخر مضاجعة من تشاء من نسائك ، وتبيت مع من تشاء ، لا حرج لك أن تترك القسم لهن ، ولا يجب عليك قسم ، بل الأمر لك ، فتقدم من شئت ، وتؤخر من شئت . ومع هذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقسم لهن . وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ أي ومن طلبت إلى المبيت معك ممن تجنبت وتركت البيتوتة معهن ، فلا إثم ولا حرج ولا ضيق عليك في ذلك ، وكذلك لا ضير عليك في إرجاع من طلقت منهن . ثم أبان اللّه تعالى سبب هذا التفويض للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الإيواء والإرجاء وأنه لمصلحتهن ، فقال : ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ، وَلا يَحْزَنَّ ، وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ أي إذا علمن أن اللّه قد وضع عنك الحرج في القسم وأنه غير واجب عليك ، فإن شئت قسمت ، وإن شئت لم تقسم ، وأنت مع ذلك تقسم لهن باختيارك لا جبرا عنك ، فرحن بذلك ، واستبشرن به ، وقدرن جميلك ، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن ، وتسويتك بينهن ، وإنصافك لهن ، وعدلك فيهن ، ورضين كلهن بما تفعل ، دون إقلاق ولا بلبلة .