وهبة الزحيلي

48

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وتكذيبك ، واتباع هداك ومخالفتك ، أي متحملا للشهادة في الدنيا ، ومؤديا لما تحمّلته في الآخرة أمام ربك ، وأرسلناك لتبشير من أطاعك بالجنة ، ولإنذار من عصاك بالنار ، فهذه ثلاث مهام من مهمات الدعوة المكلّف بتبليغها إلى البشر كافة . ونظير الآية في الشهادة قوله تعالى : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ البقرة 2 / 143 ] . روى الإمام أحمد والبخاري وابن أبي حاتم عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما ، فقلت : أخبرني عن صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في التوراة ، قال : « أجل ، واللّه إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق ، ولا يدفع السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويصفح ويغفر ، ولن يقبضه اللّه حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا : لا إله إلا اللّه ، فيفتح بها أعينا عميا ، وآذانا صمّا ، وقلوبا غلفا » . 4 - 5 : وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ ، وَسِراجاً مُنِيراً أي وداعيا الخلق إلى عبادة ربهم ، وطاعته ومراقبته سرا وعلانية ، بأمره إياه ، والإقرار به ، والإيمان بما يجب له من صفات الكمال ، وجعلناك ذا سراج أو كالسراج الوضاء الذي يستضاء به في الظلمات ، ليهتدي بك الناس ، ويستنيروا بشرعك في تحقيق سعادتي الدنيا والآخرة . فقوله بِإِذْنِهِ معناه : بأمره إياك ، وتقديره ذلك في وقته وأوانه ، وَسِراجاً معناه : ذا سراج ، أو يكون كقول القائل : « رأيته أسدا » أي شجاعا ، فيكون قوله : سِراجاً أي هاديا مبينا كالسراج ، يري الطريق ويبين الأمر ، ويهدي الناس إلى الحق وإلى صراط مستقيم . ومقتضى تشبيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالسراج أن دينه أو أمره يكون ظاهرا واضح الحجة والبرهان ، لا تعقيد فيه ولا التواء ، ولا خفايا فيه ولا أستار .