وهبة الزحيلي
30
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ أي وتخفي أيها الرسول في نفسك ما اللّه مظهره من الحكم ، وهو علمك بأن زيدا سيطلقها وستنكحها ؛ لأن اللّه قد أعلمه بذلك ، وتخاف من تعيير الناس ونقدهم واعتراضهم النابع من منطق الجاهلية ، واللّه بعد أن أنزل عليك وحيه وشرعه المصحح لأعراف الجاهلية وتقاليدها أو المبطل لها ، أجدر وحده أن تخاف منه ، وتلزم أمره ، وتمضي حكمه دون مبالاة بشرائع غيره . فقوله : وَاتَّقِ اللَّهَ أي في طلاقها ، فلا تطلّقها ، وأراد بذلك نهي تنزيه ، لا نهي تحريم ؛ لأن الأولى ألا يطلق . عن عائشة رضي اللّه عنها : لو كتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا مما أوحي إليه ، لكتم هذه الآية . والمراد من هذا التوجيه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أن يصمت حين قال له زيد : أريد مفارقتها ، أو يقول له : أنت أعلم بشأنك ، حتى لا يتناقض سرّه مع علانيته ، وليتساوى ظاهر الأنبياء وباطنهم ، ولتبدو ظاهرة التصلب في الأمور الجادة التي نزل فيها وحي إلهي . ثم أعلن اللّه تعالى حكم زواج زينب المطلقة بعد انتهاء عدتها من نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً ، زَوَّجْناكَها ، لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً ، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا أي لما طلقها زيد ، وانتهت حاجته منها ، وملّها ، وانقضت عدتها ، جعلناها لك زوجة ، ليرتفع الحرج والضيق من بين المؤمنين إذا أرادوا الزواج بمطلّقات أدعيائهم وهم الذين تبنوهم في الجاهلية ، ثم أبطل الإسلام حكم التبني وألغى جميع آثاره ، وصفّى كل نتائجه ، وكان قضاء اللّه وقدره نافذا وكائنا لا محالة ، وحكمه سائدا وشرعه دائما في كل زمان ، ومن أحكام اللّه في سابق علمه أن زينب ستصير زوجة