وهبة الزحيلي
29
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المصالح والانغماس في المفاسد ، كما قال تعالى : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ النور 24 / 63 ] . وإزاء هذا الحكم الإلهي القاطع والتحذير من العصيان ، فإن زينب بنت جحش التي نزلت الآية بسببها ، امتثلت أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بقبول زواجها من زيد بن حارثة مولى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعبده المعتق ، وهي من علية قريش وذؤابة القوم ، وبنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقالت : « إذن لا أعصي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قد أنكحته نفسي » بعد أن استنكفت من زيد ، وقالت : أنا خير منه حسبا » لأنها كانت امرأة فيها حدّة . وكان في زواجها بزيد حكمة بالغة هي إعلان المساواة بين الناس ، والقضاء على فوارق النسب والحسب ، ما دامت مظلة الإسلام واحدة يتساوى فيها الجميع ، وأن التفاضل فيه إنما هو بالتقوى والعمل الصالح . ولكن بالرغم من الموافقة الظاهرية على هذا الزواج ، ظلت الكوامن النفسية والآلام قائمة ، وبقيت زينب كارهة لزيد ، متعالية عليه ، فاشتكى منها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرارا ، فكان صلّى اللّه عليه وسلّم ينصحه قائلا : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ إلى أن نفذ حكم اللّه ، وحدث الطلاق ، وهو ما قررته الآيات التالية : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ، وَاتَّقِ اللَّهَ أي واذكر يا محمد حين كنت تقول لزيد الذي أنعم اللّه عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالإعتاق والحرية والتربية والتقريب منك : أبق على زواجك بزينب ، واصبر على طبعها وخلقها ، واتق اللّه في شأنها وفي طلاقها ، فلا تطلقها لتعاليها وشعورها بالرفعة والشرف ، فإن الطلاق مضرة . وهذا نهي تنزيه وتعليم وتربية ، لا نهي تحريم وحظر ؛ لأن الأولى على كل حال ألا يطلقها ، لأن الطلاق شائن لها .