وهبة الزحيلي
229
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي من شاء اللّه إضلاله أضلّه ، ومن شاء هدايته هداه . فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ أي عليه وهو المزين له ، والمعنى : فلا تهلك نفسك باغتمامك على غيّهم وكفرهم وإصرارهم على التكذيب . والحسرة : همّ النفس على فوات أمر ، أي التلهف عليه . إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ فيجازيهم عليه ؛ لأنه لا تخفى عليه خافية من أفعالهم وأقوالهم . سبب النزول : نزول الآية ( 8 ) : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ : أخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال : أنزلت هذه الآية : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ حيث قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللهم أعزّ دينك بعمر بن الخطاب ، أو بأبي جهل بن هشام » فهدى اللّه عمر ، وأضلّ أبا جهل ، ففيهما أنزلت . المناسبة : بعد بيان الأصل الأول وهو التوحيد ، والأصل الثاني وهو الرسالة ، ذكر اللّه تعالى الأصل الثالث وهو الحشر أو البعث والنشور ، والحساب والعقاب ، وقرر أنه حق لا شك فيه ، وحذر من وسواس الشيطان في تشكيك الناس بالإيمان به ، ثم صنّف الناس إزاءه صنفين : حزب الشيطان الذين لهم العذاب الشديد ، وحزب الرحمن الذين لهم المغفرة والأجر الكبير وهو الجنة . ثم أبان قضية جوهرية وهي أن الضلال والهدى بيد اللّه حسبما يعلم من استعداد النفوس للأول أو الثاني . التفسير والبيان : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يا أيها البشر جميعا إن وعد اللّه بالبعث والجزاء حقّ ثابت مؤكد