وهبة الزحيلي

162

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

صَبَّارٍ شَكُورٍ صيغة مبالغة على وزن فعّال وفعول . وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ و إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ بينهما ما يسمى بمراعاة الفواصل ، من أنواع الجمال في اللفظ . المفردات اللغوية : لِسَبَإٍ اسم قبيلة من قبائل العرب العاربة في بلاد اليمن ، وتعد أصلا تفرع منها عدة فروع في جزيرة العرب . وقد سميت باسم جدّ لهم من العرب : هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان . فِي مَسْكَنِهِمْ موضع السكنى وهو مأرب في بلاد اليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام . آيَةٌ علامة دالة على وجود اللّه ووحدانيته وقدرته على إيجاد أمور عجيبة . جَنَّتانِ بستانان . عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ عن يمين واديهم وشماله . كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ أي قيل لهم ذلك ، والرزق : ثمار الجنتين . وَاشْكُرُوا لَهُ على ما رزقكم من هذه النعم في أرض سبأ ، واعملوا بطاعته ، واجتنبوا معاصيه . بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ استئناف للدلالة على موجب الشكر ، أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة ، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور . وكون البلد طيبة : أنه ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية ؛ لطيب هوائها . فَأَعْرَضُوا انصرفوا عن شكر هذه النعم وكفروا باللّه . فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ أي دمّره اللّه ، وفتق عليهم سد مأرب حتى انتقض ، فدخل الماء بساتينهم فغرقها ، ودفن السيل بيوتهم ، فهذا هو سيل العرم . والعرم : جمع عرمة : وهي الحجارة المركومة والمباني القائمة ، وسيل العرم : هو السيل الذي لا يطاق لقوته وشدّته . أُكُلٍ خَمْطٍ مرّ ، والأكل بمعنى المأكول : الثمر ، والخمط : كل شجرة مرّة ذات شوك وليس له ثمر . وَأَثْلٍ هو الشجر المعروف الشبيه بالطرفاء ، ولا ثمر له . سِدْرٍ شجر النبق له ثمر يؤكل . أهلك اللّه أشجارهم المثمرة ، وأنبت بدلها الأراك والطرفاء والسدر ، ووصف السدر بالقلة ؛ لأن ثمره مما يطيب أكله . ذلِكَ التبديل . جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا أي بكفرانهم النعمة ، أو بكفرهم بالرسل ، إذ بعث إليهم ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم . وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ أي لا نجازي بمثل ما فعلنا بهم إلا البليغ في كفران النعم أو الكفر بالرسل . وقرئ : يجازي . وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ سبأ باليمن . وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها بالماء والشجر وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة . قُرىً ظاهِرَةً مرتفعة على الآكام ، متواصلة من اليمن إلى الشام ، وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى حتى يرجعوا . وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي كانت القرى على مقادير للمسافر ، بحيث يكون المقيل في قرية ، والمبيت في أخرى ، إلى انتهاء سفرهم ووصولهم إلى الشام ، دون أن يحتاجوا في الطريق إلى حمل زاد وماء . سِيرُوا فِيها أي وقلنا :