وهبة الزحيلي

163

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

سيروا فيها . لَيالِيَ وَأَيَّاماً متى شئتم من ليل أو نهار . آمِنِينَ لا تخافون في ليل ولا في نهار . فَقالُوا : رَبَّنا باعِدْ وفي قراءة : بعّد . بَيْنَ أَسْفارِنا إلى الشام ؛ فإنهم بطروا النعمة كبني إسرائيل ، فسألوا اللّه أن يجعل بينهم وبين الشام مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل وحمل الزاد . وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر وبطر النعمة . فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لمن بعدهم في ذلك ، جمع أحدوثة : وهي ما يتحدث به على سبيل التلهي والاستغراب ، فإن اللّه أجابهم بتخريب القرى المتوسطة . وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ فرقناهم في البلاد غاية التفريق . إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور . لَآياتٍ عبرا ودلالات واضحات . لِكُلِّ صَبَّارٍ كثير الصبر عن المعاصي وعلى الطاعات . شَكُورٍ كثير الشكر على النعم . وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ أي صدق إبليس على الكفار ومنهم سبأ ظنه ، والمعنى : ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه . فَاتَّبَعُوهُ أي فصدق في ظنه ، أو صدّق ظنه بأن وجده صادقا . إِلَّا فَرِيقاً بمعنى لكن . مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي لكن فريقا هم المؤمنون لم يتبعوه ، و مِنَ : للبيان . وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ أي لم يكن له على المتبعين تسلط واستيلاء بوسوسة واستغواء . إِلَّا لِنَعْلَمَ علم ظهور وانكشاف . مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ أي لنتعرف ونتميز المؤمن بالآخرة من الشاك . وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ محافظ رقيب . سبب النزول : أخرج ابن أبي حاتم أن فروة بن مسيك الغطفاني رضي اللّه عنه قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : يا نبي اللّه ، إن سبأ قوم كان لهم في الجاهلية عز ، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام ، أفأقاتلهم ؟ فقال : ما أمرت فيهم بشيء بعد ، فأنزلت هذه الآية : لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ الآيات . المناسبة : بعد بيان حال الشاكرين لنعم اللّه المنيبين إليه ، وهم داود وسليمان عليهما السلام ، بيّن اللّه تعالى حال الكافرين بأنعمه ، بحكاية قصة أهل سبأ ، تحذيرا لقريش ، ووعيدا لكل من يكفر بنعم اللّه تعالى .