وهبة الزحيلي

83

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الفاسدة كاليهودية والنصرانية والمجوسية . وقوله : فِطْرَتَ اللَّهِ أي الزموا فطرة اللّه ، أو عليكم فطرة اللّه . وقدر فعل الخطاب للجماعة لقوله : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ . لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي لا ينبغي لأحد أن يبدّل أو يغير فطرة اللّه أي الخلقة الأصلية والملة السليمة ، وهو خبر في معنى النهي أو الطلب ، أي لا تبدلوا خلق اللّه ودينه بالشرك ، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم اللّه عليها . وهذا دليل على سلامة الخلقة العقدية ، ونقاوة العقل البشري في أصل التكوين والوجود ، ثم يحدث التغيير بتأثيرات البيئة من أهواء وعلوم ومعارف زائغة ، وموروثات باطلة وتقليد مستمر للأسلاف ، دون إعمال الفكر وتكوين الاعتقاد بالنظرة المستقلة الصائبة ، ولو ترك الإنسان وشأنه لما اختار غير الإسلام دينا ؛ لأنه دين الفطرة والعقل . ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي ذلك المأمور به من اتباع ملة التوحيد والتمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف . غير أن أكثر الناس لا يعرفون ذلك حق المعرفة ، فهم ناكبون عنه ، لعدم إعمال فكرهم والإفادة من العلم الصحيح والبراهين الواضحة الدالة عليه ، ولو فكروا وعقلوا وعلموا حق العلم ، لما عدلوا عن ملة التوحيد وشريعة الإسلام وهديه . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ، وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي اتبعوا دين اللّه ، مقبلين عليه ، راجعين إليه ، وإذا أقبلتم عليه وتركتم الدنيا ، فلا تأمنوا فتتركوا عبادته ، بل خافوه وداوموا على العبادة ، وراقبوه فلا تفرطوا في طاعة ، ولا ترتكبوا معصية ، وأقيموا الصلاة ، أي داوموا على إقامتها كاملة