وهبة الزحيلي
82
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
المناسبة : بعد بيان أدلة الوحدانية والقدرة الإلهية على كل شيء ومنه الحشر والبعث ، وبعد توطين عزيمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على الاعتزاز بدعوته وعدم الاهتمام بموقف المشركين منها ، وترك الالتفات إليهم ، أمر اللّه تعالى بمتابعة دين الإسلام ، والثبات عليه ، والإخلاص في العمل الذي اشتمل عليه ؛ لأنه فطرة اللّه التي أودع النفوس والعقول عليها ، والاعتراف بمضمونها ، والشعور الصافي بمدلولها . التفسير والبيان : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها أي إذا تبين الحق في الاعتقاد والدين بدلائله السابقة ، وبطل الشرك ومعالمه ، فاتبع الدين الذي شرعه اللّه لك من الحنيفية ملة إبراهيم ، التي هداك اللّه لها ، وأكملها لك ، وهو دين الفطرة السليمة التي فطر اللّه الخلق عليها ، فإنه خلقهم على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره ، وكن بذلك مائلا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق . وهذا أمر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأمر لأمته أيضا . وتلك الفطرة كما قال تعالى : وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا : بَلى [ الأعراف 7 / 172 ] وكما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث القدسي الصحيح الذي رواه مسلم وأحمد : « إني خلقت عبادي حنفاء ، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم » و في حديث آخر رواه البخاري ومسلم : « كل مولود يولد على الفطرة ، حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة جمعاء « 1 » ، هل تحسّون فيها من جدعاء « 2 » » . فكل من الآيتين والحديثين دليل على نقاوة أصل الخلق ، وأن اللّه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده ، وعلى الإسلام الصافي ، ثم طرأ على بعضهم الأديان
--> ( 1 ) مستوية كاملة لا نقص في شيء من بدنها . ( 2 ) جدعاء : مقطوعة الأذن أو الأنف .