وهبة الزحيلي
53
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
و أَنْ كَذَّبُوا مفعول لأجله ، أي لأن كذبوا ، ويجوز كونه في موضع رفع ، لأنه خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : هو أن كذبوا ، أو بدل من السُّواى رفعا ونصبا . و السُّواى منصوب بأساؤوا انتصاب المصادر ، لأنه مصدر . البلاغة : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا أَ وَلَمْ يَسِيرُوا إنكار وتوبيخ . أَساؤُا السُّواى جناس اشتقاق . المفردات اللغوية : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي أو لم يحدثوا التفكر فيها ، أو : أو لم يتفكروا في أمر أنفسهم ، فإنها أقرب إليهم من غيرها ، فبالتفكر يرجعون عن غفلتهم ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ما خَلَقَ متعلق بقول محذوف معناه : أو لم يتفكروا فيقولوا هذا القول ، وقيل : معناه : فيعلموا ؛ لأن في الكلام دليلا عليه . ومعنى قوله : إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى معناه : ما خلقها باطلا وعبثا بغير غرض صحيح وحكمة بالغة ، وإنما خلقها مقرونة بالحق ، مصحوبة بالحكمة ، وبتقدير أجل مسمى لا بد لها من الانتهاء إليه ، وهو قيام الساعة ووقت الحساب والثواب والعقاب . وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ مثل كفار مكة بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ أي لا يؤمنون بالبعث بعد الموت ، أي جاحدون يحسبون أن الدنيا بداية وأن الآخرة لا تكون . أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حض على السير في أقطار الأرض ، والنظر في آثار المدمرين من قبلهم من الأمم ، وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً كعاد وثمود وَأَثارُوا الْأَرْضَ حرثوها وقلبوها للزرع والغرس وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها أي عمروا الأرض أكثر من عمارة أهل مكة إياها ، فإنهم أهل واد غير ذي زرع . وفيه تهكم بهم من حيث إنهم مغترون بالدنيا ، مفتخرون بها ، وهم أضعف حالا فيها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات ، والآيات الواضحات ، والحجج الظاهرات فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ليفعل بهم ما يفعل بالظلمة ، فيدمرهم من غير جرم ولا تذكير وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث عملوا ما أدّى إلى تدميرهم . ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أي ثم كان عاقبتهم العقوبة السوأى ، والمراد بها جهنم ، والسوأى : تأنيث الأسوأ أي الأقبح ، أو مصدر كبشرى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ أي كانت إساءتهم بأن كذبوا بالقرآن .