وهبة الزحيلي

54

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المناسبة : هذه الآيات مرتبطة بما قبلها ، تتضمن تهديد المشركين وحثهم على التفكر والنظر في المخلوقات الدالة على وجود اللّه وانفراده بخلقها ، وأنه لا إله غيره ، ولا ربّ سواه ، بعد بيان ما صدر منهم من إنكار الإله بإنكار وعده ، وإنكار البعث ، كما قال تعالى : وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ . التفسير والبيان : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى أي أو لم يحدثوا التفكر في عقولهم ، أو يفكروا في أمر أنفسهم بأن يجيلوا فيه الفكر ، فيقولوا : إن اللّه لم يخلق الكون من السماء والأرض وما فيهما من العالم العلوي والسفلي ، وما بينهما من المخلوقات الكثيرة المتنوعة والأجناس المختلفة ، فيعلموا أنها ما خلقت سدى ولا عبثا ولا باطلا ، بل كان خلقها مقرونا بالحق ، مصحوبا بالحكمة ، وبتقدير أجل مسمى لا بد لها من أن تنتهي إليه ، وهو قيام الساعة ووقت الحساب والثواب والعقاب ، فإذا حل الأجل بدلت الأرض غير الأرض والسماوات ، وبرزوا لحساب اللّه الواحد القهار . وهذا حثّ لهم على إعمال الفكر السليم الموصل إلى معرفة اللّه ووحدانيته بالنظر في أنفسهم وما حولهم من مشاهد الكون ، والمراد أن أسباب العلم الصحيح ومفاتيح الهداية تعتمد على العقل وأنه متوافر لديهم ، لكنهم عطلوه ولم يعملوه فيما يجب إعماله . وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ أي وإن أكثر الناس ولا سيما الكفار لجاحدون منكرون وجود البعث والحساب ؛ لأنهم لم يتفكروا في أنفسهم ، ولو تفكروا لأيقنوا بمعادهم إلى ربّهم بعد الموت . ثم نبّه اللّه تعالى على صدق رسله فيما جاؤوا به عن ربهم بما أيّدهم به من