وهبة الزحيلي

34

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

حَرَماً آمِناً مجاز عقلي ، أي آمنا أهله . لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ إيجاز بحذف جواب الشرط ، أي لو علموا لما آثروا الدنيا على الآخرة . يَعْلَمُونَ يُشْرِكُونَ يَكْفُرُونَ فيها مراعاة الفواصل ، ذات الإيقاع والتأثير على السمع . المفردات اللغوية : وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إشارة تهوين وتحقير ، لأن الدنيا لا تزن عند اللّه جناح بعوضة . لَهْوٌ وَلَعِبٌ أي كلهو الصبيان ولعبهم ، يبتهجون ساعة ثم يتفرقون متعبين ، وأما الطاعات والقرب فمن أمور الآخرة ، لظهور ثمرتها فيها . واللهو : الاستمتاع بالملذات ، واللعب : هو العبث وما لا فائدة فيها . لَهِيَ الْحَيَوانُ أي لهي دار الحياة الحقيقية التامة التي لا فناء فيها . لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ تلك الحقيقة ما آثروا الدنيا عليها . الْفُلْكِ السفينة السائرة في البحر . مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الدعاء ، أي لا يدعون معه غيره ، لأنهم في شدة لا يكشفها إلا اللّه ، فيظهرون في صورة من أخلص دينه من المؤمنين ، فلا يذكرون إلا اللّه ، ولا يدعون سواه . إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ فاجؤوا المعاودة إلى الشرك . لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ اللام فيه لام « كي » أي يشركون ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة وكذلك اللام في : وَلِيَتَمَتَّعُوا باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم عليها ، أي قاصدين التمتع بها والتلذذ ، لا غير ، أي أن هذه اللام لام التعليل في تقدير اللّه ، ولام العاقبة بالنسبة إليهم . ويصح أن تكون اللام في الفعلين المذكورين لام الأمر ، وهو أمر تهديد فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقبة ذلك . أَ وَلَمْ يَرَوْا يعلموا ، يعني أهل مكة أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً أي جعلنا بلدهم مكة مصونا من النهب والتعدي ، آمنا أهله من القتل والسبي . وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ يختلسون قتلا وسبيا ، وهم في أمان . أَ فَبِالْباطِلِ أي بعد هذه النعمة الواضحة وغيرها مما لا يقدر عليه إلا اللّه يؤمنون بالصنم أو الشيطان . وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ حيث أشركوا به غيره . وتقديم الجار والمجرور في قوله فَبِالْباطِلِ و بِنِعْمَةِ اللَّهِ للاهتمام أو الاختصاص على طريق المبالغة . وَمَنْ أَظْلَمُ أي لا أحد . مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن زعم أن له شريكا . أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أي كذب بالنبي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أو القرآن . وقوله لَمَّا فيه تسفيه لهم بأن لم يتوقفوا ، ولم يتأملوا قط حين جاءهم ، بل سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه . أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً مأوى ، والاستفهام تقرير لثوائهم ، أي ألا يستوجبون الثواء في جهنم ، وقد افتروا مثل هذا