وهبة الزحيلي
35
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الكذب على اللّه وكذبوا بالحق ! ! وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا أي في حقنا ، والجهاد يعم أنواع الجهاد الظاهرة والباطنة لكل الأعداء . لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا طريق السير إلينا أو لنزيدنهم هداية إلى سبيل الخير وتوفيقا لسلوكها . وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ أي المؤمنين بالنصر والعون . سبب النزول : نزول الآية ( 67 ) : أَ وَلَمْ يَرَوْا . . أخرج جويبر عن ابن عباس أنهم قالوا : يا محمد ، ما يمنعنا أن ندخل في دينك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس لقلتنا ، والأعراب أكثر منا ، فمتى ما يبلغهم أنا قد دخلنا في دينك اختطفنا ، فكنا أكلة رأس ، فأنزل اللّه : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً . المناسبة : بعد بيان كون المشركين يعترفون بأن اللّه هو الخالق وهو الرازق وهو المحيي ، وهم مع ذلك يتركون عبادته ، ويعبدون من دونه الشركاء حرصا على زينة الحياة الدنيا ومكاسبها المادية ، أوضح اللّه تعالى أن ما يميلون إليه وهو الدنيا ليس بشيء ، وأن الحياة الآخرة هي الحياة الحقة التامة التي تستحق الحرص عليها والعمل من أجلها ، فلو كان عندهم شيء من العلم ما آثروا الدنيا الفانية على الآخرة الباقية . ثم أبان اللّه تعالى أحوال تخبطهم وتناقضهم ، فهم مع شركهم بربهم في الدعاء والعبادة إذا تعرضوا لمحنة أو شدة ، رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد ، ولجؤوا إلى اللّه وحده ، وأخلصوا له النية والدعاء لتخليصهم من الشدة ، وتلك نعمة عظمي . ثم ذكّرهم تعالى بنعمة أخرى تتناسب مع حال الخوف الشديد ، وهي حالهم عند الأمن العظيم وهي كونهم في مكة بلدهم ومولدهم ومسكنهم البلد الآمن الحرام ، بتحصين اللّه أمنها ، ودفع الشرور عن سكانها ، لكنهم نفعيون متناقضون