وهبة الزحيلي

249

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أن اللّه أخذ ميثاق النبيين في أنهم يبلغون شرائع اللّه ، ولا يمنعهم من ذلك خوف ولا طمع ، فقال : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً أي واذكر أيها الرسول أننا أخذنا العهد المؤكد على جميع الأنبياء ولا سيما أولو العزم منهم وهم الخمسة المذكورون في الآية في أنهم يبلغون رسالة اللّه إلى أقوامهم ، ويقيمون دين اللّه تعالى ، ويتناصرون ويتعاونون فيما بينهم بإكمال بعضهم رسالة من تقدمه ، كما قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ، ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ ، مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ، قالَ : أَ أَقْرَرْتُمْ ، وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ؟ قالُوا : أَقْرَرْنا ، قالَ : فَاشْهَدُوا ، وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [ آل عمران 3 / 81 ] أي أخذ عليهم أن يعلنوا أن محمدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويعلن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا نبي بعده . ثم أكد اللّه تعالى ذلك الميثاق بعينه ، فوصفه بالشدة والغلظ مبالغة في حرمته وعظمته وثقل تبعته ( مسئوليته ) والمعنى : وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقا غليظا ، فالميثاق الثاني هو الأول مؤكدا باليمين ، أو مكررا لبيان صفته ، من طريق استعارة الغلظ من صفة الأجسام المادية إلى الأشياء المعنوية ، مبالغة في بيان حرمته وعظمه وخطورته ، كما بينت . وقد خص اللّه تعالى بالذكر خمسة رسل هم أولو العزم ، تنويها بشأنهم ، وتبيان أهمية رسالاتهم ، من باب عطف الخاص على العام ، كما في آية أخرى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً ، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ الشورى 42 / 13 ] . ثم ذكر اللّه تعالى أنه سائل الأنبياء عن التبليغ والمؤمنين عن الإجابة والمكذبين عن التكذيب ، فقال :