وهبة الزحيلي

212

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها أي كلما عزموا على الخروج منها من شدة العذاب والأهوال ، أعيدوا فيها ، ودحروا إليها ، أي أنهم مخلّدون فيها ، كما قال تعالى : كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ ، أُعِيدُوا فِيها [ الحج 22 / 22 ] . قال الفضيل بن عياض : واللّه إن الأيدي لموثقة ، وإن الأرجل لمقيدة ، وإن اللهب ليرفعهم ، والملائكة تقمعهم . ويقال لهم تقريعا وتوبيخا وتهديدا : وَقِيلَ لَهُمْ : ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ أي تذوقوا وتحملوا عذاب النار الذي كذبتم به في الدنيا فإن اللّه أعدّه للمشركين به . وهناك عذاب آخر سابق له : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي ولنذيقن الكفار والعصاة شيئا من العذاب الأقرب والأقل وهو عذاب الدنيا من المصائب والآفات كالجوع والقتل والسبي ، قبل مجيء وحدوث العذاب الأشد الأعظم وهو عذاب القيامة ، ليرجعوا عن ضلالهم إلى الهدى والرشد ، ويثوبوا عن الكفر ، ويؤمنوا بربهم ، ويصدقوا برسولهم . والترجي في قوله لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ محال على اللّه تعالى ، فيراد به تعليل ذلك الفعل بأمر الرجوع ، كما يقال : فلان اتجر ليربح ، أو يكون معناه : لنذيقنهم إذاقة الراجين ، أو إذاقة يقول القائل : لعلهم يرجعون بسببه . ثم ذكر اللّه تعالى سببا عاما للعقاب وهو ظلم الناس ، فقال : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها ، إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ أي لا أحد أظلم ممن ذكّره اللّه بآياته القرآنية ومعجزات رسله ، وبيّنها