وهبة الزحيلي
201
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
5 - إن حال المشركين يوم القيامة يدعو للعجب ، فهم عند محاسبة ربهم وجزاء أعمالهم خافضو الرؤوس من الحياء والندم ، والخزي ، والذل والغم والحزن ، ويقولون : ربّنا أبصرنا ما كنا نكذب ، وسمعنا ما كنا ننكر ، فارجعنا إلى الدنيا نعمل العمل الصالح الذي يرضيك ، إنا مصدّقون بالبعث وبالذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أنه حق . قال سفيان الثوري : فأكذبهم اللّه تعالى ، فقال : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الأنعام 6 / 28 ] . وقال محمد بن كعب القرظيّ : لما قالوا : رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا ، فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً ، إِنَّا مُوقِنُونَ ردّ عليهم بقوله : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها يقول : لو شئت لهديت الناس جميعا ، فلم يختلف منهم أحد وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي حق القول مني لأعذبنّ من عصاني بنار جهنم ، وعلم اللّه تعالى أنه لو ردّهم لعادوا . وهذه الهداية : معناها خلق المعرفة في القلب . وتأويل المعتزلة : ولو شئنا لأكرهناهم على الهداية بإظهار الآيات الهائلة ، لكن لا يحسن منه فعله ؛ لأنه ينقض الغرض المجرى بالتكليف إليه ، وهو الثواب الذي لا يستحق إلا بما يفعله المكلف باختياره . وقالت الإمامية في تأويلها : إنه يجوز أن يريد هداها إلى طريق الجنة في الآخرة ولم يعاقب أحدا ، لكن حق القول منه أنه يملأ جهنم ، فلا يجب على اللّه تعالى عندنا هداية الكل إليها ؛ قالوا : بل الواجب هداية المعصومين ، فأما من له ذنب فجائز هدايته إلى النار جزاء على أفعاله . وفي جواز ذلك منع ؛ لقطعهم بأن المراد : هداها إلى الإيمان . وللإمامية جواب آخر : هو أن هداية اللّه سبحانه بالإلجاء والإجبار