وهبة الزحيلي
202
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والإكراه ممنوعة ، والمراد الهداية إلى الإيمان والطاعة بالاختيار ، حتى يصح التكليف ، فمن شاء اللّه آمن وأطاع اختيارا ، لا جبرا ، قال اللّه تعالى : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [ التكوير 81 / 28 ] وقال : فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا [ الدهر 76 / 29 ] ثم عقّب هاتين الآيتين بقوله تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الدهر 76 / 30 ] فوقع إيمان المؤمنين بمشيئتهم ، ونفى أن يشاءوا إلا أن يشاء اللّه . وتوسط أهل السنة فلم يقولوا بالإجبار كالمجبرة ، ولا بالاختيار المطلق كالقدرية ، وخير الأمور أوساطها ، وقالوا : نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه وبين ما اخترناه ، كالتفرقة بين حركة الارتعاش غير الإرادية وحركة الاختيار ، وسموا هذه المنزلة الوسطى كسبا ، وأخذوا هذه التسمية من كتاب اللّه العزيز ، وهو قوله سبحانه : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة 2 / 286 ] . 6 - يقال للمجرمين يوم القيامة على سبيل التقريع والتوبيخ : ذوقوا العذاب بسبب تكذيبكم رسل اللّه ، وإنكاركم البعث ، وترككم العمل له كالناسين ، واللّه يعاملكم معاملة الناسي والمنسيين ؛ لأن الجزاء من جنس العمل ، وذوقوا العذاب المخلّد ، وهو الدائم الذي لا انقطاع له في جهنم بسبب أعمالكم في الدنيا من المعاصي . صفة المؤمنين في الدنيا وجزاؤهم عند ربهم في الآخرة [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 15 إلى 17 ] إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 ) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 ) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 17 )