وهبة الزحيلي

178

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الدنيا ، فتطمئنوا فيها ، وتميلوا إليها ، تاركين الاستعداد للآخرة ، ولا يخدعنكم الشيطان بحلم اللّه وإمهاله ، فيعدكم بالمغفرة ، ويحملكم على المعصية بتزيينها لكم ، وينسيكم الآخرة ، كما قال تعالى : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً [ النساء 4 / 120 ] . وفي الآية دلالة واضحة على أن الدنيا غرّارة بزخارفها ومتاعها ، وأن الشيطان بوساوسه يقوي هذا الغرور بالدنيا ، لصرف الناس عن الآخرة والتزود لها بصالح الأعمال . وقيل : الغرور : الدنيا ، وقيل : تمني المغفرة في المعصية ، والأماني الباطلة برحمة اللّه واعتماده على شفاعة شافع أو كونه مسلما محبا اللّه ورسوله بقلبه دون عمل ، قال سعيد بن جبير رضي اللّه عنه : الغرة باللّه : أن يتمادى الرجل في المعصية ، ويتمنى على اللّه المغفرة . وقد ردّ القرآن على هذه التمنيات بقوله تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً [ النساء 4 / 123 ] . ثم ذكر اللّه تعالى مفاتح الغيب الخمسة التي استأثر اللّه بعلمها ، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلام بها ، فقال : 1 - إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أي إن علم وقت الساعة ( أي القيامة ) مختص باللّه سبحانه ، فلا يعلم أحد بوقته سواه ، لا ملك مقرّب ، ولا نبي مرسل ، كما قال : لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [ الأعراف 7 / 187 ] . 2 - وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ أي ويختص تعالى أيضا بمعرفة وقت إنزال المطر ومكانه المعين ، لا يعلمه إلا اللّه ، فإن أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك ، ومن يشاء اللّه من خلقه .