وهبة الزحيلي

150

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والنهي عن المنكر ، أي منع النفس والآخرين من المعاصي والمنكرات المحرّمة شرعا والقبيحة عقلا ، والتي تغضب اللّه ، وتوجب عذاب جهنم . والصبر على الأذى والشدائد والأوامر الإلهية ، فإن الآمر بالمعروف ، والناهي عن المنكر يؤذى عادة ، فطلب منه الصبر . وقد بدئت الوصايا بالصلاة ؛ لأنها عماد الدين وختمت بالصبر ؛ لأنه أساس المداومة على الطاعات ، وعماد رضوان اللّه ، كما قال تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ البقرة 2 / 45 ] . إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي إن ذلك المذكور مما أمر اللّه به ونهى عنه ، ومنه الصبر على أذى الناس ، لمن الأمور الواجبة المعزومة ، أي المقطوعة قطع إيجاب وإلزام « 1 » ، ويكون المصدر « عزم » بمعنى المفعول . وبعد أمره بما يكمل نفسه وغيره ، نهى عن أشياء وحذر من أشياء ، فقال : 1 - وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ أي لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلموك تكبرا واحتقارا ، والمعنى : لا تتكبر فتحتقر عباد اللّه ، ولا تتكلم وأنت معرض ، بل كن متواضعا سهلا هينا لينا منبسط الوجه ، مستهل البشر ، كما جاء في الحديث النبوي الذي رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري : « لا تحقرنّ من المعروف شيئا ، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط ، وإياك وإسبال الإزار ، فإنها من المخيلة ، والمخيلة لا يحبها اللّه » . 2 - وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ أي لا تسر في الأرض مختالا بطرا متبخترا ، جبارا عنيدا ، فإن تلك المشية يبغضها ، واللّه يكره كل مختال معجب في نفسه ، فخور على غيره ، كما قال تعالى : وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً ، إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا

--> ( 1 ) ومنه الحديث : « لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل » أي لم يقطعه بالنية ، ومنه الحديث الآخر : « إن اللّه يحب أن يؤخذ برخصة ، كما يحب أن يؤخذ بعزائمه » .