وهبة الزحيلي
117
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
واكتشاف جهل الكفار في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فعكوفهم على عبادة الأوثان ، وأما في الآخرة فإقسامهم باللّه أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا . التفسير والبيان : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ أي حين تقوم القيامة ويبعث اللّه الناس من قبورهم ، وما يتعرضون له من أهوال جسام طويلة الأمد ، يحلف الكفار الآثمون أنهم ما أقاموا في الدنيا أو في القبور غير ساعة واحدة ، أي مدة قليلة من الزمان ، قاصدين بذلك عدم قيام الحجة عليهم ، وأنهم لم ينظروا مدة معقولة ، حتى يعذرون فيما هم عليه من تقصير . وهذا دليل واضح على قصر مدة الدنيا مهما طالت ، إذا قورنت بالآخرة ، وأن الذي يوعد بالشر يستقل المدة التي عاشها ، أما الموعود بالخير فيستكثر المدة مهما قلت : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [ النازعات 79 / 46 ] . كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ أي مثل ذلك الصرف عن تقدير الحقيقة والواقع في مدة اللبث ، كانوا يصرفون من الحق إلى الباطل ، ومن الصدق إلى الكذب ، والمراد أنهم كاذبون في قولهم : ما لبثنا غير ساعة ، وفي حلفهم على الكذب ، وأنهم مغترون بزينة الدنيا ومتاعها وزخرفها ، فإذا عرفوا ذلك ربما حملهم على ترك العناد ، وسلوك طريق الرشاد . وفي هذا دلالة على أن إصرارهم على الكفر ، صرفهم عن التفكير فيما هو حق وعن الاعتقاد بالبعث واليوم الآخر . ثم ذكر جواب المؤمنين لهم في موقف القيامة ، فقال تعالى : وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ : لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ