وهبة الزحيلي
76
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ ، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ، قالَ لَهُ مُوسى : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أي فصار موسى بعد حادثة قتل القبطي المصري خائفا من أن يظهر أنه هو القاتل ، فيطلب به ، وصار يتلفت ويتوقع أن يقتل بسبب جنايته ، فسار في بعض الطرق متخفيا مستترا ، فإذا ذلك الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس على المصري ، يطلب منه العون والغوث على مصري آخر ، فقال له موسى : إنك ظاهر الغواية ، كثير الفساد والشر والضلال . فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما ، قالَ : يا مُوسى : أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ أي فلما أراد موسى زجر عدوهما وهو القبطي ، قال له مستنكرا مستهجنا : أتريد الإقدام على قتلي كما قتلت نفسا البارحة ، وقد كان عرف القصة من الإسرائيلي ، قال الرازي : والظاهر هذا الوجه ؛ لأنه تعالى قال : فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما ، قالَ : يا مُوسى فهذا القول إذن منه ، لا من غيره ، وأيضا فقوله : إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ لا يليق إلا بأن يكون قولا للكافر . وقال بعضهم : لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غوي مبين ، ورآه على غضب ، ظن - لما همّ بالبطش - أنه يريده ؛ لخوره وضعفه وذلته ، فقال هذا القول ، وصار ذلك سببا لظهور القتل ومزيد الخوف ؛ لأنه لم يكن يعلم بحادثة الأمس غير هذا العبري ، فلما سمعها ذلك القبطي ، نقلها إلى فرعون ، فاشتد حنقه وعزم على قتل موسى . إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ ، وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ أي ما تريد يا موسى إلا أن تكون قتّالا بطاشا ، مستعليا ، كثير الأذى في الأرض ، دون أن تنظر في العواقب ، ولا تريد أن تكون من أهل