وهبة الزحيلي

75

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إن الفتنة تجيء من هاهنا - وأومأ بيده نحو المشرق - من حيث يطلع قرنا الشيطان ، وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض ، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ ، فقال اللّه عز وجل : وَقَتَلْتَ نَفْساً ، فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ ، وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً » . فَغَفَرَ لَهُ ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أي فعفا عنه وقبل توبته ، إنه تعالى الستار لذنوب عباده المنيبين إليه ، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة والإنابة ، فشكر موسى ربه : قالَ : رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ، فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ أي قال موسى : يا رب اعصمني من الخطأ بحق ما أنعمت علي من المعرفة والحكمة والتوحيد ، ومن الجاه والعز والنعمة ، فلن أكون إن عصمتني معينا لمن ظلم وأجرم وأشرك . أو أقسم بإنعامك علي بهذه النعم الكثيرة لأتوبن ، ولن أناصر المشركين . قال القشيري : ولم يقل لما أنعمت علي من المغفرة ؛ لأن هذا قبل الوحي ، وما كان عالما بأن اللّه غفر له ذلك القتل . وذكر الماوردي وغيره أن الإنعام بالمغفرة أو الهداية . قال القرطبي : فَغَفَرَ لَهُ يدل على المغفرة ، واللّه أعلم . وأراد بمظاهرة المجرمين : إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته ، وتكثير سواده ، حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد ، وكان يسمى ابن فرعون ؛ وإما بمظاهرة من أدّت مظاهرته إلى الجرم والإثم ، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له قتله . ونظير الآية قوله تعالى : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ، فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [ هود 11 / 113 ] .