وهبة الزحيلي
56
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
التفسير والبيان : طسم بيّنت المراد بهذه الحروف في المفردات . تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ أي هذه آيات من الكتاب الواضح الجلي الكاشف لحقائق أمور الدين ، وما كان وما يكون . نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي نذكر لك الأمر على ما كان عليه حقا وصدقا كأنك تشاهد ، وكأنك حاضر ، من أجل قوم يصدقون برسالتك وبما أنزل إليك من ربك ، فتطمئن به قلوبهم ، كقوله تعالى : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [ يوسف 12 / 3 ] . وقد ذكر اللّه تعالى في هذه السورة شيئا أو بعضا من قصة موسى وفرعون ، للعبرة والعظة ، وإقامة الدليل على صدق نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وأن هذا القرآن العظيم وحي يوحى ، وليس من وضع البشر . وتخصيص المؤمنين بالذكر مع أن القرآن للناس أجمعين للإشارة إلى أن الانتفاع به لا يكون إلا لمن صدق بأنه كلام اللّه المنزل على نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم . إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ أي إن فرعون ملك مصر تجبر في أرضها واستكبر ، وبغى وطغى وقهر أهلها . وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً أي جعل أبناء مصر فرقا وأحزابا مختلفة ، وسخر كل طائفة في مصالحه العمرانية والزراعية وغير ذلك من أمور دولته ، وبذر بينهم بذور الفتنة والعداوة والبغضاء ، حتى لا يتفقوا ، أخذا بسياسة المستعمر : « فرّق تسد » . وهذا مضاد لسياسة الإسلام - بالمعنى العام - والهدي الإلهي كله القائم على التأليف والجميع على قلب واحد ، وإشاعة روح المحبة والتسامح والود والوئام