وهبة الزحيلي
55
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
البلاغة : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ الإشارة بالبعيد عن القريب لبعد مرتبة القرآن في الكمال . وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا نُرِيدُ حكاية حال ماضية لاستحضار تلك الصورة في الذهن ؛ لأن ذلك معطوف على جملة إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ من حيث إنهما واقعان تفسيرا للنبأ . وإرادة المنة بخلاصهم من فرعون هي في المستقبل ، فلا يمنع ذلك إرادة استضعافهم في الماضي ، ولما كانت الإرادة الأولى قريبة الوقوع من الثانية جعلت كالمقارنة لها . المفردات اللغوية : طسم تقرأ : طا ، سين ، ميم ، بمد السين والميم وإدغام النون في الميم . وهذه الحروف المقطعة وأمثالها كما بينا مرارا للتنبيه على إعجاز القرآن الكريم ، والإشارة إلى أن هذا الكتاب المعجز في فصاحته وبيانه مركب من أمثال هذه الحروف الهجائية ، فكون العرب أساطين البيان ، وفرسان الفصاحة والبلاغة ، عجزوا عن معارضته ، دليل على أنه فوق مستوى البشر ، وأنه من لدن حكيم حميد ، إله الكون أجمعين . تِلْكَ هذه الآيات . آياتُ الْكِتابِ الإضافة بينهما بمعنى ( من ) . الْمُبِينِ المظهر الحق من الباطل . نَتْلُوا نقرؤه بقراءة جبريل ، ويجوز أن يكون بمعنى ( ننزله ) مجازا . نَبَإِ خبر مهم ، وقوله : مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ معناه بعض نبئهما . بِالْحَقِّ الصدق . لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لأجلهم ، وخص المؤمنون ؛ لأنهم المنتفعون به . عَلا تجبر واستكبر ، وقوله : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ أي أرض مصر : استئناف مبين لذلك البعض ، أي بعض خبر موسى وفرعون . شِيَعاً فرقا وأصنافا يستخدمهم في أعماله من بناء وحفر وحرث ونحو ذلك من مشاق الأعمال ، ويؤلب بعضهم على بعض ، زارعا بينهم العداوة والبغضاء حتى لا يتفقوا . يَسْتَضْعِفُ يجعلهم ضعفاء مقهورين ، وهم بنو إسرائيل . يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ المولودين . وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ يبقي نساءهم أحياء ، وسبب هذا الفعل أن كاهنا قال لفرعون : يولد مولود في بني إسرائيل ، يذهب ملكك على يده ، وذلك كان من غاية حمقه ، فإنه لو صدّق لم يندفع الأمر بالقتل ، وإن كذب فما الداعي لما فعل ؟ ! إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ بالقتل وغيره ، فاجترأ على قتل خلق كثير من أولاد الأنبياء لتخيل فاسد . أَنْ نَمُنَّ نتفضل عليهم بإنقاذهم من بأسه . أَئِمَّةً قادة يقتدى بهم في الخير في أمر الدين والدنيا . وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ملك فرعون وقومه . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أرض مصر والشام ، والتمكين : يراد به هنا التسلط على أرض مصر والتصرف فيها . وَهامانَ وزير فرعون . ما كانُوا يَحْذَرُونَ يخافون من المولود الذي يذهب ملكهم على يديه .