وهبة الزحيلي
47
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
للمشركين هذه المقالة ، مبينا لهم أنه قد أتم أمر الدعوة ، وقد كملت ، ولم يبق عليه إلا الاشتغال بعبادة اللّه وحده لا شريك له ، وبحمده وشكره على نعمه العظمى ، وبتلاوة القرآن ، أي أن مهمة إعلان الدعوة من جانبه انتهت ، وبقي عليهم التفكير في الاستجابة لهذه الدعوة ، وتدبر آي القرآن التي تكفي في إرشادهم ، وأنها إن لم تفدهم فقد أفادته ، فسواء قبلتم هذه الدعوة أو أعرضتم عنها ، فإني مصرّ عليها ، غير مرتاب فيها . التفسير والبيان : قل : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها أي قل لهم أيها الرسول : إنما أمرت أن أعبد رب مكة الذي حرمها على الناس ، فجعلها شرعا وقدرا حرما آمنا ، لا يسفك فيها دم ، ولا يظلم فيها أحد ، ولا يصاد فيها صيد ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفّر طيرها ، ولا يخوّف فيها خائف ، يجبى إليها ثمرات الدنيا من كل ناحية . وخص مكة بالذكر تشريفا لها ، لأن أول بيت وضع للعبادة كان فيها ، كما قال تعالى : فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [ قريش 106 / 3 - 4 ] . وفي هذا توبيخ لأهل مكة على ترك عبادة اللّه ، والاتجاه نحو عبادة الأصنام . ونظير الآية : قُلْ : يا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ، فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ [ يونس 10 / 104 ] . وقد أبان النبي صلّى اللّه عليه وسلم مظاهر تحريم مكة ، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة : « إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة ، لا يعضد