وهبة الزحيلي

218

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ ، أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي ، وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي والذين جحدوا بآيات اللّه أي بدلائل وحدانيته وما أنزله على رسله من البراهين المرشدة إلى ذلك ، وكفروا بالمعاد ولقاء اللّه في الآخرة ، أولئك لا نصيب لهم من رحمة اللّه ، بسبب كفرهم ، ولهم عذاب مؤلم موجع شديد في الدنيا والآخرة ، كما قال : إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [ يوسف 12 / 87 ] . وتكرار أُولئِكَ في الآية للدلالة على أن كل واحد من اليأس والعذاب لا يوجد إلا في الكفار ، وقد أضاف اليأس إليهم بقوله : أُولئِكَ يَئِسُوا فلو طمعوا بالرحمة لأنزلها عليهم ، ثم إنه تعالى أضاف الرحمة لنفسه رَحْمَتِي لبيان عمومها لهم ولزومها له ، ولم يضف العذاب لنفسه لتخصيصه بالكفار . فقه الحياة أو الأحكام : أرشدت الآيات إلى ما يأتي : 1 - كانت دعوة إبراهيم كدعوة جميع الأنبياء عليهم السلام إلى عبادة اللّه ( أي إفراده بالعبادة ) وتوحيده واتقاء عذابه بفعل أوامره وترك معاصيه . وقوله تعالى : اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ إشارة إلى التوحيد ؛ لأن التوحيد إثبات الإله ونفي غيره ، فقوله : اعْبُدُوا اللَّهَ إثبات الإله ، وقوله : وَاتَّقُوهُ نفي الغير . 2 - إن الوثنيين يعبدون أصناما من صنع أيديهم ويختلقون الكذب بجعل تلك الأصنام شركاء للّه شفعاء عنده ، مع أنها لا تملك ضرّا ولا نفعا ، ولا تقدر على جلب الرزق لأحد ، إنما الرازق الذي يطلب منه الرزق هو اللّه وحده ، فيجب على العباد أن يسألوه وحده دون غيره ؛ لأن المعبود إنما يعبد لأحد أمور : إما لكونه مستحقا للعبادة بذاته ، وإما لكونه نافعا في الحال أو في المستقبل ، وإما