وهبة الزحيلي

190

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ويلاحظ أنه تعالى قال في حق المؤمنين : الَّذِينَ صَدَقُوا بصيغة الفعل ، أي وجد منهم الصدق ، وقال في حق الكافرين : الْكاذِبِينَ بصيغة اسم الفاعل الدالة على الثبات والدوام . هذا فضلا عن أن الاختلاف في اللفظ أدل على الفصاحة . و قد ورد في السنة الصحيحة أخبار ونماذج من تعذيب المؤمنين قبل الإسلام ، روى البخاري وأبو داود والنسائي عن خبّاب بن الأرتّ قال : « شكونا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو متوسّد بردة له في ظل الكعبة ، فقلنا له : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل ، فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه ، فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه ، فما يصرفه ذلك عن دينه ، واللّه ليتمّنّ هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا اللّه ، والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون » . و روى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال : « دخلت على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو يوعك ، فوضعت يدي عليه ، فوجدت حرّه بين يدي فوق اللحاف ، فقلت : يا رسول اللّه ما أشدّها عليك ! ! قال : إنا كذلك يضعّف لنا البلاء ، ويضعّف لنا الأجر ، قلت : يا رسول اللّه ، أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ، قلت : ثم من ؟ قال : ثم الصالحون أن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحوبها « 1 » ، وأن كان أحدهم ليفرح بالبلاء ، كما يفرح أحدكم بالرخاء » . والخلاصة : أن الحياة ميدان كفاح وجهاد وشقاء وعناء ، وكلما عظمت

--> ( 1 ) وفي الجامع الصغير للسيوطي : « يجوبها » أي يخرقها ويقطعها ، وهو أولى .