وهبة الزحيلي

177

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار ، ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة ، فينصر المؤمن ، ويخذل الكافر . ثم قال تعالى مذكرا نبيه نعمته العظيمة عليه وعلى الناس إذ أرسله إليهم : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي وما كنت أيها النبي تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل إليك ، وأن القرآن ينزل على قلبك ، فتعلم به أخبار الماضين ، وتعرف منه دستور الحياة ، وتشريع المجتمع الذي فيه سعادتهم ونجاتهم ، ولكن إنما أنزل ربك الوحي عليك وألقى عليك الكتاب ، رحمة منه بك وبالعباد بسببك . وبناء عليه كلفه ربه بأمور خمسة هي : 1 - فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ أي فلا تكن معينا للكفار بأي حال ، ولكن فارقهم وخالفهم ، وكن عونا للمسلمين ، واللّه مؤيدك وحافظك . 2 - وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ أي ولا تلتفت إلى هؤلاء المشركين ، ولا تتأثر بهم ولا لمخالفتهم لك ، ولا تركن إلى قولهم ، فيصدّوك عن اتباع آيات اللّه المنزلة إليك ، وتبليغها للناس ، فإن اللّه معك ، ومؤيد دينك ، ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ، فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة 5 / 67 ] . 3 - وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي وادع إلى عبادة ربك وحده لا شريك له ، وبلّغ دينه ، وأعلن رسالته دون تردد ولا خوف ولا تمهل . وهذا أمر بالصدع أو الجهر بالدعوة ، وفيه تشدد بدعوة الكفار والمشركين ، ولكن في مظلة الأمن والسلام ، والمهادنة والموادعة .