وهبة الزحيلي
154
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الزمن كله ليلا لمدة ستة أشهر ، ثم يكون مثلها نهارا ، فمن الإله غير اللّه الذي يتمكن من الإتيان بضياء النهار ، أفلا تسمعون ذلك سماع تدبر وتفهم وتفكر ، فتقلعوا عن الإشراك باللّه ؛ لأن كل من سوى اللّه عاجز عن ذلك وغيره ؟ ثم ذكر العكس فقال : - قُلْ : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ، أَ فَلا تُبْصِرُونَ ؟ أي وقل لهم أيضا أيها الرسول : أخبروني إن جعل اللّه زمنكم كله نهارا ، فجعل النهار دائما متصلا إلى يوم القيامة دون أن يعقبه ليل ، فتتعب الأبدان وتكل الأجسام من كثرة الحركات والأشغال ، فمن ذلك الإله غير اللّه يستطيع الإتيان بليل تستقرون وتستريحون فيه من عناء التعب ، أفلا تبصرون هذه الظاهرة والحقيقة الدالة على القدرة الإلهية التامة ، فتعلموا أن المستحق للعبادة والتأليه هو اللّه المنعم بهذه النعم ؟ - وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي ومن رحمته بكم أيها الخلق تعاقب الليل والنهار وتفاوتهما ، فجعل لكم الليل ظلاما للراحة والسكن والاستقراء وهدوء النفس من عناء العمل النهاري ، وجعل لكم النهار مضيئا لتبصروا فيه منافعكم ، وتحصلون فيه معايشكم ، وتتنقلوا فيه بالأسفار من بلد لآخر ، ويمتلئ بالحركات والأشغال ، بحثا عن موارد الرزق ، وقضاء الحاجات بأنس ومتعة لا يتوافران في العمل الليلي ، فتشكروا اللّه بأنواع العبادات ليلا ونهارا على ما أنعم به عليكم من هذه النعم دون أن يشاركه فيها شريك ؟ دلّ هذا بحق على أن تعاقب الليل والنهار من أعظم النعم على المخلوقات ، بل ومن البراهين الدالة على كمال القدرة الإلهية ، كما قال سبحانه : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [ الفرقان 25 / 62 ]