وهبة الزحيلي
155
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ونحو ذلك من الآيات الكثيرة . وهذا التعاقب لأغراض ثلاثة : أن تسكنوا في أحدهما وهو الليل ، ولتبتغوا من فضل اللّه في الآخر ، وهو النهار ، ولإرادة شكركم على المنفعتين معا . ويلاحظ أنه تعالى قرن قوله أَ فَلا تَسْمَعُونَ بالليل ، لمناسبته له ، ففي سكون الليل وظلامه يكون إعمال السمع أفيد ، ففيه يدرك الإنسان ما لا يدركه بالبصر من منافع وفوائد . ثم قرن قوله : أَ فَلا تُبْصِرُونَ بالنهار ، لمناسبته له ، ففي ضوء النهار يكون إعمال البصر أوقع ، ففيه يدرك الإنسان بعينه من المنافع والفوائد والعظات ما لا يدركه السمع أثناء الضجة والحركة ، وعلى هذا كان التذييل بما هو الأليق بكل من الليل والنهار . وأما سبب التذييل بكل منهما فهو الحث على الانتفاع بما يسمعون ويبصرون تأملا وتدبرا ، فلما لم ينتفعوا بالسمع والبصر نزّلوا منزلة من لا يسمع ولا يبصر . ثم أعاد اللّه تعالى النداء لمن عبد مع اللّه إلها آخر على رؤوس الأشهاد على سبيل التوبيخ والتقريع فقال : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ : أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ؟ أي واذكر أيها الرسول للمشركين يوم يناديهم ربك ، فيقول لهم : أين شركائي الذين كنتم تزعمون في دار الدنيا أنهم شركائي ، ليخلّصوكم مما أنتم فيه . والقصد من تأكيد هذا النداء مرة ثانية التنبيه على أنه لا شيء أجلب لغضب اللّه تعالى من الإشراك به ، كما أنه لا شيء أدعى لمرضاته من توحيده تعالى . قال القرطبي : والمناداة هنا ليست من اللّه ؛ لأن اللّه تعالى لا يكلم الكفار ؛ لقوله تعالى : وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ البقرة 2 / 174 ] لكنه تعالى يأمر من يوبخهم ويبكّتهم ، ويقيم الحجة عليهم في مقام الحساب « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 13 / 209 .