وهبة الزحيلي
57
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
على الحق . فَذَرْهُمْ اترك كفار مكة ، ودعهم . فِي غَمْرَتِهِمْ في ضلالتهم وجهالتهم ، شبهها بالماء الذي يغمر القامة ؛ لأنهم مغمورون فيها . حَتَّى حِينٍ إلى حين موتهم أو قتلهم . أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ أن ما نعطيهم ونجعله مددا لهم . مِنْ مالٍ وَبَنِينَ في الدنيا . نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ نعجل لهم به ، وهو خبر أن ، والراجع ضمير محذوف ، والمعنى : أيحسبون أن الذي نمدهم به نسارع لهم به فيما فيه خيرهم وإكرامهم . بَلْ لا يَشْعُرُونَ أن ذلك استدراج لهم ، وإنما هم كالبهائم ، لا فطنة عندهم ولا شعور ليتأملوا ، فيعلموا أن ذلك الإمداد استدراج ، لا مسارعة في الخير . المناسبة : بعد بيان قصص بعض الأنبياء المتقدمين ، أوصى اللّه تعالى بجملة من المبادئ في الحياة هي الأكل من الحلال ، والعمل بصالح الأعمال ، وإدراك أن الملة واحدة وأن الدين الحق واحد ، ولكن الأمم فرقت دينها شيعا ، وهم في حيرة وعمى يظنون أن إفاضة النعم عليهم ، لرضا اللّه عليهم ، ولكنها في الحقيقة استدراج ، لا مسارعة في الخيرات . التفسير والبيان : 1 - يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً ، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ هذا أمر من اللّه تعالى عباده المرسلين عليهم السلام بالأكل من الحلال ، والقيام بصالح الأعمال ، شكرا للنعمة . وهذا دليل على أن الحلال عون على العمل الصالح وسابق عليه ، ثم ذكر تعالى علة هذا الأمر ، فقال : إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ أي إني مطلع على جميع أعمالكم ، لا يخفى علي شيء منها ، وأنا مجازيكم عليها . ومن أمثلة الحلال أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه ، وأن داود عليه السلام كان يأكل من كسب يده ، كما ثبت في الصحيح ، فيعمل الدروع المسردة ( أي ذات الحلق من الحديد ) بيده معجزة له وأمرا خارقا للعادة ، وفي