وهبة الزحيلي

49

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

القصة الرابعة - قصة موسى وهارون عليهما السلام [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 45 إلى 49 ] ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 45 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ ( 46 ) فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ( 47 ) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ( 48 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 49 ) البلاغة : عالِينَ ، الْمُهْلَكِينَ سجع لطيف . المفردات اللغوية : بِآياتِنا بالآيات التسع كاليد والعصا ، وهي المذكورة في سورة الأعراف وَسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة بينة واضحة ملزمة للخصم ، والمراد بالسلطان المبين : إما الآيات أنفسها ، أي هي آيات وحجة بينة ، وإما العصا لأنها كانت أمّ الآيات وأولاها ، وقد تعلقت بها معجزات شتى من انقلابها حية ، وتلقفها ما أفكته السحرة ، وانفلاق البحر ، وانفجار العيون من الحجر ، بضربها بها ، وكونها حارسا ، وشمعة ، وشجرة خضراء مثمرة ، ودلوا ، ورشاء ، فجعلت كأنها ليست بعض الآيات ، لخصائصها ومزاياها وفضلها ، فلذلك عطف عليها ، كقوله تعالى : وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [ البقرة 2 / 98 ] عطفا على الملائكة ، مع أنهما منهم . ومثل وغير : يوصف بهما الاثنان والجمع ، والمذكر والمؤنث ، كقوله تعالى : إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ [ النساء 4 / 140 ] وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [ الطلاق 65 / 12 ] . ويقال أيضا : هما مثلاه ، وهم أمثاله ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [ الأعراف 7 / 194 ] . فَاسْتَكْبَرُوا عن الإيمان باللّه وبالآيات ، والمتابعة عالِينَ متكبرين قاهرين بني إسرائيل بالظلم أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ « 1 » مِثْلِنا ثنّى البشر ؛ لأنه يطلق للواحد ، كقوله تعالى :

--> ( 1 ) لفظ البشر يطلق على الواحد والجمع ، كما قال تعالى في إطلاقه على الواحد : فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [ مريم 19 / 17 ] أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ [ المؤمنون 23 / 47 ] . ومثال إطلاقه على الجمع قوله تعالى : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً [ مريم 19 / 26 ] وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ [ المدثر 74 / 31 ]